لقد ظلت قضية التغلغل الفرنكوفوني في الإعلام المغربي باهتة، بالمقارنة مع المجالات الأخرى ذات التجلي الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي، وقد يكون هذا المعطى راجعاً إلى بدهية الوجود الفرنكوفوني داخل المشهد الإعلامي المغربي؛ باعتبار المغرب أحد أهم (إيالات) النفوذ التقليدي للهيكل الفرنكوفوني الفرنسي، والمؤهل الوحيد للعب دور الوسيط في علاقات فرنسا مع مستعمراتها القديمة بإفريقيا، ومع الدول العربية الأخرى.
طبيعة هذا التغلغل الفرنكوفوني يدفع المتتبع للحقل الإعلامي المغربي إلى القول، أو إلى الحسم بأن الإعلام المغربي بتمظهره المكتوب، أو السمعي، أو السمعي ـ البصري في عمومه إعلام فرنكوفوني الهوية والوجود. هذا في غياب إعلام إسلامي أصيل يدافع هذا التغلغل، وإن كانت بوادر وجوده بادية، لكن في جنس وحيد: هو الإعلام المكتوب. أي عبر الصحف والمجلات الإسلامية. وقد ساهم الفاعل السياسي في كل مراحله؛ في تكريس هذا الوضع نحو الفرنكوفونية والحداثة، على حساب الهوية الإسلامية والأصالة، دون استحضار إسلامية الدولة والشعب بالمغرب.
ثم مع تطور وسائل الاتصال؛ فقد أصبح للإعلام سلطة فاعلة في تشكيل الرأي، والموقف، بوسائله المتطورة التي تأسر الكبير قبل الصغير، وتكاد هذه السلطة تفوق باقي السلط.
فإذا كان الغرب ـ وهذا ليس من قبيل الشعور بعقدة النقص، أو القابلية للاستعمار ـ قد حسم حدود تدخل لوبيات الضغط والتأثير في توجيهه للفوز فقط بموقف الدعاية في مرحلة من المراحل؛ فإن الإعلام المغربي، كجزء من الإعلام العربي والإسلامي، لم يتخط بعد مرحلة الوصاية سواء الحزبية أو الحكومية. هـذا الوضـع هـو ما دفـع أحـد الإعـلامـيين المغاربة ـ الأستاذ يحيى اليحياوي ـ إلى الدهشة والاستغراب لعدم تزحزح الإعلام المغربي؛ تأثراً بالمستجدات والتطورات المعلوماتية الهائلة التي يعرفها العالم في الوقت الحاضر، وتأثراً بالتحولات العميقة في المجتمع؛ بفعل التطور الديمغرافي والثقافي. يقول الأستاذ يحيى اليحياوي: (المشهد الإعلامي المغربي عصي على الفهم؛ فهو جزء من شيء؛ إذ لم يستطع أن يفرض نفسه كجهاز مستقل بذاته، كما أنه مغلق؛ إذ لم يتأثر بالتحولات الاجتماعية والتقنية المتطورة، وأتمنى أن يساهم قانون الصحافة الجديد في حل هذا الإشكال)(1).
◄ هل هناك فرنسية دون فرنكوفونية؟
ما من مرة يتم فيها تناول الوجود الفرنكوفوني، في أي مجال من المجالات سواء الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو السياسية، أو الإعلامية - محطة البث - إلا ويتم طرح هذا السؤال كوصفة فرنكوفونية للتمويه، باعتبار الفرنسية ليست هي الفرنكوفونية؛ بل تعني لغة الانفتاح على العالم، وليست استعماراً جديداً، وفي المقابل يتم التغاضي عن تساؤلات مشروعة من قبيل:
- لماذا تم تهميش الإسبانية في الشمال المغربي وإحلال الفرنسية مكانها؟ رغم أنها لغة مستعمر أيضاً، كما أنها تمكن من الانفتاح على شريك اقتصادي قريب؟
ثم لماذا لم يتم اعتماد الإنجليزية من باب أوْلى؛ باعتبارها لغة مهيمنة في المجال العلمي، وجسر تواصل بين الاختراع والتحديث، على مستوى الأشياء والمجتمع المغربي؟
إذن فنحن لسنا أمام لغة فرنسية بريئة ـ واللغة كما عند اللسانيين حمَّالة قيم ومضامين ـ بل نحن أمام أيديولوجية فرنكوفونية. يقول الشاعر والكاتب المغربي محمد بنيس: (هناك فرق بين اللغة والثقافة الفرنسيتين، والفرنكوفونية. فإذا كانت اللغة والثقافة الفرنسيتان تعنيان اللغة والثقافة الوطنية، والخطابات المنتجة بهذه اللغة من طرف فرنسيين، فإن الفرنكوفونية تعني أولاً: استعمال الفرنسية من جانب غير الفرنسيين، وتعني ثانياً: لغة البلاد التي تخلت عن لغاتها المحلية!)(2).
ويتابع الناقد المغربي توضيح هذا، ويقول: (ويتجلى الجانب الأيديولوجي للفرنكوفونية في فرض الفرنسية، في الإدارة والثقافة والإعلام، بجميع الوسائل، وانتزاع المكان الجغرافي للغة العربية، وتجنب الإنجليزية؛ لضمان المغرب كمنطقة مضمونة لصالح الامتيازات الفرنسية؛ فمن هو فرنسي يشترك فيما هو فرنسي)(3) .
في نفس الصدد يؤكد الشاعرالمغربي عبد اللطيف اللعبي، وهو واحد ممن تخلوا عن الكتابة بالفرنسية في إنتاجاتهم: (الفرنكوفونية نقطة ارتكاز للاستراتيجية الاستعمارية الجديدة. إنها بمثابة انبعاث للامبراطورية الفرنسية يعود على الفرنسية بامتيازات بيروقراطية)(4).
هذا الوصف المؤدلج والمموه؛ للفرنكوفونية يدفع الكاتب المغربي محمد بنيس إلى إبراز التناقض الجلي بين الفرنسية كلغة والفرنكوفونية كأيديولوجية. وذلك بقوله: (الفرنكوفونية تمنع عني الفرنسية كثقافة؛ بدعمها للإنتاج الاستهلاكي الهزيل؛ فهي لا تهتم بانفتاحي على الثقافة الفرنسية أو الكونية، بل ما تفكر فيه هو سيادتها اللغوية، كما تمنع عني عربيتي كمغربي)(5).
◄ الوضع الثقافي بالمغرب توجه فرنكوفوني بامتياز:
أهم ما يميز مشاريع التنمية بالمغرب، سواء الاقتصادية أو السياسية أو الإعلامية، هو ارتهانها إلى اللغة الفرنسية كحامل لخطاب التواصل؛ فلغة المنافسة للحصول على المناصب العليا، والمصيرية، هو إجادة وكفاءة لغوية فرنسية. فالجريدة، أو شريط الأفلام، والرواية، والكتاب المصوغ بالفرنسية، هو صاحب الحظوة، والمستأهل لدعم الفرنك الفرنسي، فيتم التنويه والإشهار بصاحبه في كل محفل؛ فكم من فيلم أو رواية فاقت شهرتها الآفاق، على الرغم من ركاكتها؛ لأنها أنجزت بلغة فرنسية، أو أن أصحابها تتلمذوا على مفكرين فرنسيين؛ فكل ما يتعلق بإدارة المال والمقاولة والربح، فالفرنسية وسيطه اللغوي، مثال هذا برنامج: «مشاريع» بالقناة الأولى المغربية الذي لم يستطع فكاكاً عن الفرنسية، رغم أنه موجه لشعب تفوق نسبة أميته في العربية ـ لغته الوطنية - أكثر من 50%. يقول الأستاذ موليم العروسي: (إذا أنصتنا إلى الخطاب الرسمي نجد أن مؤسسات الدولة العليا معربة، بينما خطاب المؤسسات المالية والصناعية ومراكز صنع القرار الفعلي المتعلق بمصير البلاد في بنيته العميقة، وفي إجرائيته فرنسي محض.. فلو كانت فرنسا تساعد على تثقيف المغاربة، وتعرفهم على الحضارة الفرنسية بنية حسنة، مفادها إخراجهم من ظلمات الجهل، فإن هناك من الفرنسيين من سيستفيد من هذا اقتصادياً وتجارياً، وكذلك بالنسبة لثقافة أمريكا، فلا فرق بين الكتاب والفيلم والكوكاكولا والهومبورجر)(6).
هذا الوضع الاعتباري للفرنسية كآلية فرنكوفونية، يؤكد وضعها المريح داخل النسيج الثقافي المغربي والإعلامي كجزء منه، وضع آمن من كل زعزعة أو انتفاضات ضد هذا التغلغل؛ إذ نجد الفرنسية مقدمة في الدرجة الأولى على العربية، رغم كون هذه الأخيرة لغة الدستور الرسمية، ورغم صراخات وصيحات كثير من المفكرين والمثقفين لمواجهة هذا الوضع (كمثال كتاب الدكتور إدريس الكتاني ـ رئيس نادي الفكر الاسلامي بالرباط ـ المسمى: «ثمانون عاماً من الفرنكوفونية ضد الإسلام واللغة العربية» وما ذكره من ذلك في سياق مناقشته لقضية التعريب بالتعليم المغربي.
◄ المشهد الإعلامي المغربي بين الوصاية والاستقلالية:
يشمل المشهدكتبها القناة الثانية في 11:31 صباحاً ::
الاسم: القناة الثانية
